المركز الايراني للبحوث والدراسات السياسية

2018/07/23 Monday
عن المرکز
اتصل بنا
بسم الله الرحمن الرحيم
من اقوال الامام علي بن ابي طالب (ع) :الجاهل يعرف بست خصال: الغضب من غير شيء، والكلام في غير نفع، والعطية في غير موضعها، وأن لا يعرف صديقه من عدوه، وإفشاء السر، والثقة بكل أحد.

ولاية الفقيه والمرجعية الشيعية

بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران ، قدم الامام الخميني نظرية ” ولاية الفقيه ” اي ان الفقيه او المجتهد له الولاية على عامة الشعب ويجب ان تتوفر في الفقيه متطلبات القيادة اي الاجتهاد في الدين والالمام بالقضايا السياسية التي تخص الشعب .

وجاء في المادة الخامسة من الدستور :” في زمن غيبة الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه ) تكون ولاية الأمر وإمامة الامة في جمهورية ايران الاسلامية بيد الفقيه العادل ، المتقي ، البصير بأمور العصر ، الشجاع القادر على الادارة والتدبير وذلك وفقا للمادة 107. ([1]).

فالامام الخميني القى ” دروسا فقهية ” عن ولاية الفقيه “او الحكومة الاسلامية ” على طلاب العلوم الدينية عندما كان مقيما في النجف الاشرف تحدث فيها عن شكل الحكومة الاسلامية من وجهة نظره .فهو يؤكد على ان مجموعة القوانين لا تكفي لاصلاح المجتمع ، ولكي يكون القانون مادة لاصلاح واسعاد البشر ، فإنه يحتاج الى السلطة التنفيذية ، لذا فان الله عز وجل قد جعل في الارض – الى جانب مجموعة القوانين – حكومة وجهاز تنفيذ وادارة .الرسول الاعظم (ص) كان يترأس جميع اجهزة التنفيذ في ادارة المجتمع الاسلامي .واضافة الى مهام التبلبغ والبيان وتفصيل الاحكام والانظمة ، كان قد اهتم بتنفيذها ، حتى اخرج دولة الاسلام الى حيز الوجود .في حينه كان الرسول (ص) لا يكتفي بتشريع القانون الجنائي مثلا ، بل كان يسعى الى تنفيذه .كان يقطع اليد ، ويجلد، ويرجم، ومن بعد الرسول (ص) كانت مهام الخليفة لا تقل عن مهام الرسول (ص) ، ولم يكن تعيين الخليفة لبيان الاحكام فحسب ، وانما لتنفيذها ايضا .وهذا الهدف هو الذي اضفى على الخلافة أهمية وشأنا ، بحيث كان يعتبر الرسول (ص) لولا تعيينه الخليفة من بعده غير مبلغ رسالته . فالمسلمون حديثو عهد بالاسلام وهم أمس الحاجة الى من ينفذ القوانين ، ويحكم بامر الله وارادته في الناس ، من أجل ضمان سعادتهم في الدنيا والاخرة.

وفي الحق ان القوانين والانظمة الاجتماعية بحاجة الى منفذ . في كل دول العالم لا ينفع التشريع وحده ، ولا يضمن سعادة البشر ، بل ينبغي ان تعقب سلطة التشريع سلطة التنفيذ ، فهي وحدها التي تنيل الناس ثمرات التشريع العادل .لهذا قرر الاسلام ايجاد سلطة التنفيذ الى جانب سلطة التشريع ، فجعل للامر وليا للتنفيذ الى جانب تصديه للتعليم والنشر والبيان ([2]).

 

نظام الحكم الاسلامي

يعتقد الامام الخميني بان الحكومة الاسلامية لا تشبه الاشكال الحكومية المعروفة ، فليست هي حكومة مطلقة يستبد فيها رئيس الدولة برأيه ، عابثا بأموال الناس ورقابهم .فالرسول (ص) وامير المؤمنين علي (ع) وسائر الائمة ما كانوا يملكون العبث بأموال الناس ولا برقابهم ، فحكومة الاسلام ليست مطلقة وانما هي دستورية ، ولكن لا بالمعنى الدستوري المتعارف الذي يتمثل في النظام البرلماني أو المجالس الشعبية ، وانما هي دستورية بمعنى ان القائمين بالامر يتقيدون بمجموعة الشروط والقواعد المبينة في القرآن والسنة ، والتي تتمثل في وجوب مراعاة النظام وتطبيق احكام الاسلام وقوانينه ، ومن هنا كانت الحكومة الاسلامية هي حكومة القانون الالهي . ويكمن الفرق بين الحكومة الاسلامية والحكومات الدستورية الملكية منها والجمهورية في ان ممثلي الشعب او ممثلي الملك هم الذين يقننون ويشرعون ، في حين تنحصر سلطة التشريع في الحكومة الاسلامية بالله عز وجل ،  وليس لأحد أيا كان أن يشرع ، وليس لاحد ان لا يحكم بما أنزل الله به من سلطان .لهذا السبب فقد استبدل الاسلام بالمجلس التشريعي ، مجلسا آخر للتخطيط ، يعمل على تنظيم سير الوزارات في اعمالها وفي تقديم خدماتها في جميع المجالات.([3])

 

وهكذا كان الامام الخميني الولي الفقيه ولكن ولاية الفقيه لم تمنع علماء الدين الكبار في ايران ان يواصلوا مهمتهم القيادية لاتباعهم ومقلديهم وكان العلماء المجتهدين قد واصلوا مهماتهم الى جانب الولي الفقيه الذي كان يولي اهتماما باراء المجتهدين والمراجع العظام .

في الثالث من  حزيران / يونيو 1989  توفي الامام الخميني بعد فترة من المرض عن عمر ناهز السابعة والثمانين وقد اعلن السيد احمد  الخميني نجل الامام الخميني نبأ رحيل الامام الخميني .      فور الاعلان عن وفاة الامام الخميني اجتمع مجلس الخبراء الذي يتولي تعيين قائد الثورة في 4 حزيران يونيو 1989  واختار اية الله علي خامنئي قائدا للثورة الاسلامية عملا بالمادة السابعة بعد المائة التي تنص على :

” بعد المرجع المعظم والقائد الكبير للثورة الاسلامية العالمية ومؤسس جمهورية ايران الاسلامية سماحة أية الله العظمى الامام الخميني (قدس سره الشريف ) الذي اعترفت الاكثرية الساحقة للناس بمرجعيته وقيادته .توكل مهمة تعيين القائد الى الخبراء المنتخبين من قبل الشعب .وهؤلاء الخبراء يدرسون ويتشاورون بشأن كل الفقهاء الجامعين للشرائط المذكورة في المادتين الخامسة بعد المائة والتاسعة بعد المائة ومتى ما شخصوا فردا منهم باعتباره الأعلم بالاحكام والموضوعات الفقهية ، أو المسائل السياسية والاجتماعية ،أو حيازته تأييد الرأي العام ، أو تمتعه بشكل بارز بإحدى الصفات المذكورة في المادة التاسعة بعد المائة انتخبوه للقيادة ، وإلا فإنهم ينتخبون أحدهم ويعلنونه قائدا ، ويتمتع القائد المنتخب بولاية الأمر ويتحمل كل المسؤوليات الناشئة عن ذلك ويتساوى القائد مع كل أفراد البلاد أمام القانون .”. ([4])

 

وقد اعلن اية الله خامنئي في كلمة القاها بهذه المناسبة عن مواصلة طريق الامام الخميني وانه سيتابع تعاليمه واهدافه .

المرجعية الشيعية

نصت المادة الثانية عشرة من الدستور الايراني على  ان الدين الرسمي لايران هو الاسلام والمذهب الجعفري الاثنى عشري ، هو المذهب الرسمي للبلاد ([5]) ، وهذه المادة تبقى الى الابد غير قابلة للتغيير .اما المذاهب الاخرى والتي تضم المذهب الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي والزيدي ، فإنها تتمتع باحترام كامل ، وأتباع هذه المذاهب أحرار في أداء مراسمهم المذهبية حسب فقههم ، ولهذه المذاهب الإعتبار الرسمي في مسائل التعليم والتربية الدينية والاحوال الشخصية (الزواج واطلاق والارث والوصية ) وما يتعلق بها من دعاوى في المحاكم .وفي كل منطقة يتمتع أتباع أحد المذاهب بالاكثرية ، فان الاحكام المحلية لتلك المنطقة – في حدود صلاحيات مجلس الشورى المحلية – تكون وفق ذلك المذهب ، هذا مع الحفاظ على حقوق اتباع المذاهب الاخرى ([6])

اذا ، المذهب الجعفري الاثنى عشري هو المذهب الرسمي في ايران ، واتباع هذا المذهب في ايران يشكلون الاغلبية وهم يكنون احتراما كبيرا للعلماء والمراجع الدينيين ويأخذون تعاليمهم منهم  كأحد الواجبات المسلم بها وينفذونها عن طيب خاطر.

المرجع عند الشيعة هو عالم الدين البارز الذي يجمع الخصائص الدينية والسياسية  معا ويرسم السبيل الصحيح لمقلديه واتباعه .

ويعتبر المرجع عند الشيعة هو الأعلم فقهيا والأعبد والأزهد بين أقرانه من العلماء والذي يتمتع بشروط الإجتهاد والمرجعية وان يكون ملجأ للشيعة .

وقد شرح العلامة الحلي المتوفي عام 724 هجرية مفهوم الاجتهاد والتقليد في الفقه الشيعي

حيث اكد أن المقلد يجب عليه ان يتبع المجتهد وان ينفذ أقواله وتعاليمه .

كتب المحقق الكركي ( المتوفي عام 940 هجرية ) والذي عاش في العهد الصفوي  رسالة مستقلة حول ضرورة تبعية وتقليد المجتهد الحي . وقد طرح نفس الفكرة الشهيد الثاني المتوفي عام 965 هجرية .

وفي العهد الصفوي  راجت كلمة ( مجتهد زمانه ) بدلا من آية الله العظمی وكان يقصد من ذلك هو نائب  الامام المهدي (ع) .

وفي عهد نادر شاه انتقلت المرجعية من ايران الی العراق وكان اعتماد المجتهدين علی الخمس والزكاة بدلا  من الموقوفات .

وقد اصبحت الحوزات العلمية مستقلة نظرا لمواردها المالية المأخوذة من الخمس والزكاة . وكانت المرجعية بعيدة كل البعد عن الحكومة ومستقلة عنها .

وفي العهد القاجاري زادت الهوة بين الحكومة والعلماء والمجتهدين ، لان العلماء كان ارتباطهم بالناس أقوى  من ارتباطهم بالحكومات .

من هنا نجد بان الهوة بين علماء الدين والمجتهدين من جهة والحكومات من جهة اخرى  قد زادت لان الحكومات كانت تفسح المجال للافكار العلمانية وتشدد الخناق على الافكار الدينية .

فعلماء الدين والمجتهدين كانوا اكثر التصاقا بعامة الشعب بينما كانت الطبقة المثقفة والتي درست في الغرب تبتعد كليا عن علماء الدين والمجتهدين .

وقد تحقق الفصل بين الدين والدولة في عهد رضا شاه اذ كان رضا شاه قد ضيق الخناق على العلماء والمجتهدين ، وأصبح علماء الدين اكثر عزلة بسبب المضايقات التي تعرضوا لها من ازلامه .

وكان رضا شاه قد فرض تعليماته المعادية للدين وامر بفرض السفورعلى المراة وامر بنزع حجاب المؤمنات اينما وجدوهن  سواء في الشوارع والازقة مما خلق ازمة ثقة بينه وبين علماء الدين والمجتهدين وعامة الشعب.

وبعد سقوط رضا شاه ونفيه الى الخارج استعاد علماء الدين دورهم وعادت نشاطاتهم الى العلن وعادت المرجعية من العراق الى ايران واصبحت مدينة قم المقدسة مركزا للعلماء والمجتهدين وموئلا للشيعة .

وبعد فشل وهزيمة سياسة التغريب سادت حركة العودة الى الذات وقاد هذه الحركة علماء الدين وكان رجال الدين هم الواسطة بين هؤلاء العلماء وعامة الشعب.

وبعدانتصار الثورة الاسلامية عام 1979 تجلت قيادة المرجعية الدينية للثورة الاسلامية في ايران بزعامة الامام الخميني الذي قاد الشعب الايراني الى اكبر ثورة في القرن العشرين ضد نظام الشاه وانتصر على النظام واسس الجمهورية الاسلامية في ايران .

مراجع الشيعة منذ القرون الاولى كانوا يتدخلون في السياسة وكانوا يجمعون بين الدين والسياسة اذ كان الحكام يرهبون المجتهدين ولايتدخلون في امورهم بل كانوا يقفون على بعد منهم .

الامام الخميني الذي ثار ضد الشاه كان يعتقد بان عالم الدين او المجتهد او الفقيه من واجبه ان يبدي وجهة نظره حول ما يدور حوله وان لا تاخذه في الله لومة لائم .

تكونت المرجعية الدينية الشيعية في العراق ومن هناك انتقلت في القرن الثاني  من العراق الى ايران واصبحت مدينة قم مكانا للمرجعية الدينية في ايران .والجدير بالذكر ان المرجعية الشيعية بقيت في العراق وخاصة في بغداد وانتقلت منها الى النجف الاشرف.

عاش الشيخ الطوسي المتوفي عام 460 هجرية في بغداد وانتقل بعدها الى مدينة النجف الاشرف . اتجه الكثير من علماء الدين الايرانيين الى النجف الاشرف لتلقي العلم وعادوا الى مدينة ري التي كانت تحت إشراف النجف .

وعرفت مدينة الحلة في القرن السادس بأنها كانت مركزا لعلماء الشيعة  وكان ابن ادريس الحلي ومن ثم المحقق الحلي ومن بعده العلامة الحلي في القرن السابع من مراجع الشيعة في ايران والشام .وكانت الحلة والنجف مركزا للشيعة حتى عهد الصفوية . وكان للعلامة الحلي طلابا ايرانيين  ينقلون كتبه الفقهية الى ايران وينشرونها هناك.

بعد بداية العهد الصفوي في ايران ، هاجر العديد من العلماء من العراق الى ايران واصبحت ايران مركزا للحوزة العلمية وصارت مدينة اصفهان التي كانت مركزا لسلطة الصفويين ، مركزا وقاعدة للشيعة . وبعد انتهاء العهد الصفوي في ايران وحصول اضطرابات ، انتقلت المرجعية الشيعية مرة اخرى الى العراق ، لان العراق يضم العتبات المقدسة التي كانت تجذب عددا كبيرا من علماء الدين وطلبة العلوم الدينية اليها.

وفي العهد القاجاري تركزت المرجعية في العراق ولكن ايران ضمت عددا من المراجع ايضا .

وقد تركزت المرجعية في ايران على عهد المرجع الكبير اية الله العظمي البروجردي .

ولكن النجف بقيت موئلا للعلماء الكبار امثال الشيخ محمد حسن اصفهاني  المعروف بصاحب الجواهر والشيخ مرتضي الانصاري وميرزا حسن الشيرازي والمرحوم آخوند  الملا محمد كاظم  خراساني وعدد من كبار العلماء و كان العديد من المراجع يسكنون في ايران ايضا.

وبعد وفاة اية الله ابو الحسن الاصفهاني تولى اية الله البروجردي المرجعية وانتقلت المرجعية الى ايران وقد عاش البروجردي حتى عام 1961 .

وبعد وفاة اية الله بروجردي في ايران انتقلت المرجعية الى اية الله السيد محسن الحكيم الذي كان يعيش في العراق ولكن كان هناك العديد من المراجع في ايران .  وبرز في العراق اية الله خوئي الذي جذب الكثير من طلاب الحوزه العلمية اليه .

كان لانتصار الثورة الاسلامية في ايران الاثر الكبير في ازدهار الحوزة العلمية في مدينة قم وانتقال المرجعية من العراق الى ايران خاصة وان الايرانيين كانوا يقلدون الامام الخميني الذي عرف بكفاحه ونضاله ضد الشاه .

وفي هذه الاثناء كان النظام البعثي في العراق قد وصل الى السلطة وحارب الشيعة ومراجعهم وكان آيه الله خوئي في العراق ولكن صدام اعدم اية الله محمد باقر الصدر واية الله محمد صادق الصدر ليقمع اي تحرك شيعي ضده وقد فرض الاقامة الجبرية على اية الله الخوئي واية الله سيد علي السيستاني.وبعد وفاة اية الله الخوئي برز اية الله السيستاني في العراق باعتباره المرجع الوحيد في العراق الذي بقي كاكبر المراجع في العراق حتی سقوط نظام صدام حسين عام 2003 .

وفي ايران كانت المرجعية الشيعية بعد الثورة بقیادة  الامام الخميني ولكن كان هناك مراجع كبار منهم اية الله كلبايكاني واية الله اراكي واية الله تبريزي واية الله بهجت وآية الله فاضل لنكراني واية الله صافي واية الله مكارم شيرازي .

فالحوزة العلمية في النجف الاشرف قد قضى عليها صدام حسين وشتت طلابها بعد ان قتل الكثير منهم وسجن اخرين وهي الان بحاجة الى البناء من جديد خاصة وان الوضع الامني في العراق لا يساعد على أن تتبوأ الحوزة العلمية في النجف الاشرف مكانتها السابقة.

[1] قانون اساسي جمهوري اسلامي ايران ( دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية ) ، ص32

[2] الامام الخميني ، الحكومة الاسلامية ، ص23و24.

[3] الامام الخميني ، الحكومة الاسلامية ، ص42

[4] قانون اساسي جمهوري اسلامي ايران ( دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية ) ، ص71.

[5] المرجع نفسه .

 

[6] قانون اساسي جمهوري اسلامي ايران ( دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية ) ، ص35.

Views All Time
Views All Time
25
Views Today
Views Today
1

لا توجد تعليقات “ ولاية الفقيه والمرجعية الشيعية ”

لا يوجد تعليقات.



أضف تعليق

بالإمكان استخدام الوسوم:

<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>